السيد حيدر الآملي

29

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

وإن تصعب عليك هذا المعنى بهذا الوجه نستشهد فيه ببعض النقليّات مطابقا للعقليّات والكشفيّات ليطمئن به قلبك وتميل إليه نفسك ويسكن عنك إضطرابك وقلقك كما قال تعالى لإبراهيم عليه السّلام : أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] . فأعظم النقليّات في هذا قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [ البقرة : 255 ] . ومعلوم أنّ الكرسي يطلق بحسب الظاهر على الفلك الثامن ، وبحسب الباطن على النفس الكلّيّة . وعلى التّقدير الأوّل يكون الكرسيّ محيطة بالأفلاك والأجرام والكواكب السيّارة وكلّ ما فيها من المخلوقات والموجودات والبسائط والمركّبات مع بعد كلّ فلك وعالم عن فلك آخر وعالم آخر بكذا وكذا سنة ، فأين عالم المحسوسات وما فيه من الموجودات من تلك العوالم وما فيها من المخلوقات مع سعتها وعظمتها . وعلى التقدير الثاني تكون النّفس الكلّيّة ميحطة بالنفوس الجزئيّة وأين النفوس الجزئيّة من النّفس الكلّيّة وعظمتها وعلوّ شأنها واتّساع قدرها ، لأنّ أيّ جزئي فرض مع الكلّي يكون هو أقلّ من القطرة في البحر ، يعرف هذا من تصوّر الحيوان الكلّي مع حيوان الجزئي أو تصوّر نوع الإنسان الّذي هو الكلّي أيضا مع تصوّر شخص جزئيّ منه كعمرو وزيد مثلا وهذا لا يخفى على أهله ، وروي عن أبي ذر الغفّاري رحمة اللّه عليه أنّه قال : سئل النّبيّ صلّى اللّه عليه واله عن الكرسي وسعته مع الأفلاك ، فقال : « ما السّماوات السّبع والأرضون السّبع في الكرسي إلّا كحلقة ملقاة